محمد كرد علي

4

خطط الشام

مواضع مهمة ذات صلة بمدنية الشام ، والسبب فيه أن المتأخرين زهدوا في التاريخ حتى كادوا لا يفرقون بينه وبين أقاصيص العجائز ، وموضوعات المخرفين والوضاعين ، وعنيت بتجريد هذا الكتاب ما أمكن من المبالغات ، ونخل لباب الوقائع المهمة الثابتة وحذف ما فيه شية شبهة ، أو شائبة غلو ، وإن كان منها ما يروق بعضهم ويتفكهون بسماعه ، ويطربون لترداده . فخاطبت ما استطعت العقل أكثر من العاطفة ، وعنيت في قسم التاريخ السياسي أن أبين علل الحوادث ، وتسلسل الكوائن ، ودواعي الأحوال القريبة أو البعيدة ، واستخراج النتائج واستنباط القواعد . والتاريخ ربيب الحرية لا يتصرف على هوى من يكتبه ويقرأوه ولا على أذواق أهل العصر وأهوائهم . وما دام موضوعه الاعتبار بالخالي لمعرفة الحالي والآتي فهو جدير بأن يتحرى فيه الحق ولا يدون سواه . قال أحد العلماء : عندما نريد أن نصل إلى الحقائق التاريخية ، يجب أن تصح همتنا على إزالة الأوهام ، ونزع الزوان من الأساطير التي تعلق بالوقائع الثابتة القليلة التي وصلت إلينا . * * * كان المؤرخون بعد القرون الوسطى بين عاملين قويين ، إما أن يكذبوا فيغضبوا الحق ، أو يصدقوا فيغضبوا الخلق ، والعمال والأعيان منهم خاصة . فقد ألف مثلا ابن زوجة أبي عذيبة المقدسي المتوفى سنة 856 تاريخين مطولا ومختصرا ، ولما توفي اطلع بعضهم على الكبير منه ، فوجد فيه أشياء توهمها في ثلب أعراض الناس فأتلفه ، وصنف عبد اللّه البصروي من أهل القرن الثاني عشر تاريخا لهذه الديار ، فبلغ أعيان دمشق خبره ، ولما هلك دخلوا داره وآلوا أن لا يأذنوا بدفنه أو يأخذوا التاريخ الذي وضعه ، فضبطوه وأحرقوه على أعين القوم ، مخافة أن تنكشف سيئات بعضهم . والذي ضاع من مدوّنات المتقدمين والمتأخرين يعد بالعشرات ، لكثرة الجوائح الأرضية والسماوية التي أصابتها . وإذا كتب البقاء لشيء مما كتبه المتأخرون فيكون في الغالب إلى الركاكة لا تسقط فيه على حقيقة . وكثيرا ما كان العقلاء يعلقون على حواشي